مقدمة كتاب: الفكر المقاصدي عند الإمام أبي حامد الغزالي من خلال كتابه "إحياء علوم الدين"، ل

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الخيرات، وبتوفيقه تتحق الغايات، الذي أسس قواعد الشرع وأصول أساسه، وملك من شاء قياد قياسه. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

وبعد، فإن هذه الشريعة الغراز -زاد الله نور منارها- صادرة من حكيم عليم، الذي لا يعبث أبدا، فإنه سبحانه وتعالى منزه عن العبث ومتصف بكل صفات الكمال. فاقتضى ذلك أن تتجلى في شريعته تلك الصفات الكاملة التي لا يتصف بها أحد من خلقه عز وجل

فالله تعالى حكيم لا يفعل شيئا أو يخلق شيئا أو يشرع شيئا إلا وفيه علمه اللامتناهي وحكمته البالغة، كما قال تعالى: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" (سورة الملك: 14). وقال: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" (سورة المؤمنون: 115). وقال: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا" (سورة ص: 27).

هذه الحِكَم التي وضعها الشارع في أحكامه هي التي يسميها العلماء بـ: "علم المقاصد". ولكن هذا العلم، وإن وُجِدَت في كتب التراث الفقهي والأصولي إشارات إلى تلك المعاني الكبرى للشريعة الإسلامية، فإن علماءنا لم يخصصوا في كتاباتهم أبوابا للاطلاع على تلك الحِكَم. بل كل ما وصل إلينا هو إشارات إلى تلك المعاني، وخاصة في كلامهم عن عِلَل الأحكام، وفي مباحث المصالح المرسلة، ومبحث التواتر، والمعلوم من الدين بالضرورة. ولكن الكلام عن تلك العلل هو كلام جزئي عن مقاصد جزئية، وإن استنبط العلماء وسجلوا في تأليفاتهم بعض العلامات إلى المقاصد الكبرى

لكن رغم هذا النقص الموجود في تراثنا الإسلامي، فقد حاول بعض العلماء تأصيل وتنظير هذا العلم، وذلك مثل عز الدين بن عبد السلام وشهاب الدين أحمد بن إدريس، المعروف بالقرافي المالكي. ولكن الذي أفرد لهذا الفن بالتدوين والتأصيل هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي، إذ عُني بإبرازه في القسم الثاني من كتابه: "الموافقات" وإن غفل عن بعض المسائل المهمة، كما نبهني إليه شيخي الدكتور نور الدين قراط –حفظه الله– المشرف على هذا البحث.

فجاء من بعده الشيخ الطاهر ابن عاشور وألف كتابه: "مقاصد الشريعة الإسلامية" وحاول فيه تأصيل وتنظير ذلك العلم ودعا إلى أن يكون علم المقاصد علما مستقلا يلتجأ إليه المجتهد ليتبين منه قصد الشارع أثناء الترجيح، إذ العالم يتبين له بسهولة حكم الشارع في مسألة معينة بمجرد النظر في مقاصد الشرع

ولذلك لا تخفى على أحد أهمية علم المقاصد -وليس على المستوى الفقهي فحسب بل على جميع مستويات الشريعة–، لأن المقاصد تساعدنا على فهم هذه الشريعة الإلهية والتعرف على أغراضها المختلفة، سواء كان ذلك في مجال الفقه والدعوة والتربية والتعليم والتزكية والنظام الاجتماعي والاقتصادي

ولهذا، يجب على علمائنا اليوم، حتى نستفيد من تراثنا الضخم، استخراج الفكر المقاصدي من كتب علمائنا القدماء، لأن في مؤلفاتهم إشارات إلى تلك المقاصد. فإذا تصدى علماؤنا في وقتنا الحاضر إلى استنباط ذلك الفكر من تراثنا، لا شك أن هذا الأمر سيساعد العلماء على التعمق والتعرف على أهداف هذه الشريعة والتأصيل والتنظير والتعقيد لكل ما يمكن أن يتجدد من قضايا. يقول محمد الطاهر ابن عاشور: "أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع، وهي حِكَم ومصالح ومنافع. ولذلك كان الواجب على علمائنا التعرف على علل التشريع ومقاصده ظاهرها وخفيها، فإن بعض الحكم قد يكون خفيا وإن أفهام العلماء متفاوتة في التفطن لها

وعلم مقاصد الشريعة إلى حد الآن محتاج إلى من يقعد قواعده وينظر له بشكل أدق، وإن كانت هناك محاولات من قِبل بعض العلماء المعاصرين كالطاهر ابن عاشور وعلال الفاسي وأحمد الريسوني إلخ

ولذلك جاء اختياري لهذا الكتاب الذي عنونتُه بـ: "الفكر المقاصدي عند الإمام أبي حامد الغزالي من خلال كتابه إحياء علوم الدين"، لأنه لا يوجد إلى حد الآن -حسب علمي- من تصدى لاستنباط فكره المقاصدي من مؤلفاته، وخاصة أن أبا حامد يعتبر متكلما وأصوليا وفقيها وعالم تزكية وسلوك وعالما اجتماعيا. هذا هو الذي توصلنا إليه بعد قراءتنا لكتبه وخاصة إحياء علوم الدين

ولقد حاولنا في هذا البحث المتواضع أن نبين النظريات المقاصدية عند الإمام الغزالي من خلال كتابه: "إحياء علوم الدين" ومن خلال عدة كتب أخرى له. وأملنا أن يكون هذا البحث في المستوى الذي نأمله، لأن مؤلفات الإمام الغزالي يستحق ذلك، وخاصة كتابه "الإحياء"، فإنه بحر عميق وكنز يمكن أن يبحث الباحث فيه أمورا لم تكن تخطر على البال.

والكتاب رائع للغاية، ولا يستغني عنه الطالب المبتدئ ولا العالم المنتهي، إذ القارئ لهذا الكتاب يشعر أنه يستفيد ليس في مجال واحد فقط، بل في مجالات مختلفة وتخصصات متعددة

106 visualizaciones